المواطنة والجنسية

فرج احمودة

يوجد مصطلحان تعارفت عليهما مختلف المجتمعات يحددا العلاقة بين الانسان ووطنه وهما : المواطنة le patriotisme  والجنسية la nationalité. كلا المفهومين ينطلقان من فكرة واحدة وهي الارتباط بين الانسان ودولته، الا انهما يختلفان في طبيعة هذا الارتباط :

فهو ارتباط مادي عندما يتعلق الامر بالجنسية، يمنحه ويسحبه ويحدد شروطه القانون. فالجنسية بصرف النظر عن اسباب اكتسابها -الدم او الولادة أو التجنس- تتجسد في امر مادي يتمثل فيما يعرف بورقة العائلة وما ينتج عنها من مستندات لصيقة بالمواطن كجواز السفر والبطاقة الوطنية اما فيما يخص المواطنة فإنها اقرب الي العلاقة او الرابطة الوجدانية او الروحية بين الانسان والارض التي ينتمي اليها. انها اقرب الي القيمة المعنوية التي يستشعرها المرء بعواطفه واحاسيسه قبل ان يربطها بمصالحه. هي حالة من التفاعل الوجداني المزمن بين الوطن والمواطن، ليس هذا الاخير فقط هو من يشعر بالحنين والألم والفرح والالتزام تجاه وطنه ولكن كذلك الوطن الذي ينعي ابنايه ويكرمهم ويحاسبهم. المواطنة علي خلاف الجنسية التي طالما اكتسبت ولم تسحب تبقي ثابته لا تزيد ولا تنقص، المواطنة تمر بحالات نشوة تقوى خلالها وحالات فتور في بعض الاحيان، وهي تختلف في قوتها من فرد لآخر. فبعض الناس يبدون اكثر ارتباطا بالوطن من خلال جنسيتهم، فهم يأخذون منه اقل مما يعطونه او علي اقل تقدير يتحرون التكافؤ بين ما يقدمونه وما يأخذونه. ليسو علي استعداد ان يتحملو الاذي في أشخاصهم او حتي في أموالهم من اجل الدفع والذود عن الوطن، معيار المصلحة لا يتوقف عندهم عن العمل. لذلك فان هذا الصنف من المجتمع هو مصدر المشاكل للوطن, علي السواء في وقت السلم وغير السلم. ففي وقت السلم تجد لدى هولاء تهيئا للانتهازية وتحينا للفرصة قد يصل في بعض الاحيان الي سلوكيات شاذة ظاهرة للعيان تتمثل في الانحراف والجريمة. اما في وقت الحرب تجد ان من يرتبطون مع الوطن ماديا لا روحيا هم مصدر شقائه وما يحل به من الشر لانهم لا يقفون في صفه وانما الي جانب مصالحهم. فهم سبب في معاناته او علي اقل تقدير في تطويل هذه المعاناة. هناك أشخاص آخرون قد يبون أكثر أرتباطا بالوطن من خلال ما يظهرونة في بعض الاوقات العصيبة من تفاعل بايجابية مع قضاياه. ولكن حتى هؤلاء شعور الوطنية قد يضعف عندهم في أوقات وظروف أخرى أقل حدة فيتحولون إلى مصدر خطر يتهدد أمن الوطن واستقراره وسلامة أراضيه ومصدر ازعاج وقلق لراحة أبنائه. يساهمون في الضرب لاجل بلادهم في وقت الشدة وينفردون بهدمها أو إعاقة بنائها في وقت السلم.

معياران إذن يتنازعان العلاقة بين الفرد ووطنه. السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمصدر الحقوق والالتزامات التي تترتب للمواطن حيال بلده، وهل يستند الي معيار المواطنة او الجنسية؟ لا شك في اهمية هذا السؤال بالنظر الي الاختلاف بين مفهوم المعيارين وما يترتب عنه من صعوبات تنجم عن اعتماد أي منهما. فالاعتماد بشكل مطلق علي الجنسية وإهمال المواطنة قد ينجم عنه إجحاف بحق من يضحون بانفسهم وما يملكون من اجل قضايا وطنية كبري. المساواة التي تأتي علي حساب الإنصاف قد تكون سببا للضيم في بعض الاحيان. بالمقابل الوطنية ولكونها إحساس داخلي يرتبط بقناعات الانسان وارتباطه الوجداني بمحيطه الاجتماعي شرف ليس هناك من لا يدعيه. انها معيار مرن يصعب ضبطه لكونها وان كانت في ذاتها قيمة معنوية فان لها محددات ترتبط واقعيا بعناصر مادية تتمثل في مسقط الراس والمحيط العائلي والاجتماعي وعلاقات الصداقة والدراسة وروابط العمل…الخ بمعني اخر ليس فقط الاستعداد بالتضحية لأجل الوطن أو حتى الدخول الفعلي في حرب يكون الوطن طرفا فيها هي مايحدد ويضبط الوطنية وانما كذلك الشعور بالانتماء الي الدولة كمفهوم سياسي واجتماعي يتساوى الجميع في خدمة مصالحه. إسناد الحقوق علي اساس الوطنية امر وان كان ينسجم فلسفيا مع قيم الإنصاف الا انه لا يخلو من التحكم ومن الدخول في منازاعات قد تتحول الي خصومات وصراعات جدية تتولد عن التشكيك في ولاء الاخرين.

المعيار الاقرب الي القابلية للتطبيق يتمثل من هذا المنطلق في اسناد الحقوق والالتزامات للمواطنين على اساس قوانين تستند إلى الجنسية. المواطنون يتساوون جميعا فيما يكتسبونه وما يلتزمون به حيال وطنهم، ولا يتمايزون عن بعضهم إلا على قدر عزمهم واجتهادهم في الاستفادة مما تكفله لهم القوانين دون تمييز. الجنسية يجب ان تجسد قرينة قوية لصالح الوطنية، بمعنى أن كل من يحملها يحمل بين جوانحه شعورا راسخا بالانتماء إلى الوطن حتي يقوم الدليل علي عكس ذلك. ولا يقوم هذا الدليل العكسي لمجرد الاختلاف في امور وان كانت عظيمة تقبل بطبيعتها وبملابساتها وبتداخل الاثار السلبية والإيجابية فيها علي أمن الوطن ورخائه واستقراره تقبل بتكوين قناعات متباينة. الدليل يجب أن يتحدد على ضوء قانون ذو اساس فلسفي لا يختلف عليه ذوو الحكمة والحياد، ينظر الي الوطن كموروث قيمي وعلاقة روحية بين الفرد والعناصر المادية المحددة له.


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا