أزمة الشرعية ملامح حل من خلال مجالس مدن منتخبة

د. يونس عمر فنوش

عندما اندلعت الثورة المباركة في منتصف شهر فبراير الماضي، تتويجاً لنضال شعبنا على مدى عقود من الزمن، ونضال أهلنا من ذوي شهداء مذبحة سجن أبوسليم، الذين ظلوا يتظاهرون، على مدى سنتين كاملتين، مطالبين بإظهار الحقيقة، وإحقاق الحق، ما لبثت الثورة أن خطت خطوة هائلة إلى الأمام، مع بداية سقوط الشهداء من أبنائنا الأبطال، ولم تلبث، بفضل شجاعة شبابنا وفدائيتهم الأسطورية، حتى حققت تلك الانتصارات المذهلة، على كتائب الطاغية وقواته، التي فرت تجر أذيال الهزيمة من كل مدن المنطقة الشرقية من البلاد.

وفجأة وجدنا أنفسنا في المنطقة الشرقية من ليبيا نواجه الحاجة للملمة صفوفنا وترتيب أوراقنا لنرى ما نحن فاعلون كي ندبر أمورنا بعد انهيار الدولة وغياب جميع مؤسساتها. وبرعاية الله وتوفيقه وجدنا أهلنا في المدن المحررة يتوافقون بسرعة مذهلة على تأسيس مجالس محلية، تتولى مسؤولية إدارة الشؤون المحلية. ولكننا سرعان ما وجدنا أنفسنا نواجه الحاجة الملحة لوجود كيان يمثل سيادة الدولة، ويتحدث باسمها في الداخل والخارج، وأخذت الدول العربية والأجنبية، التي باتت مستعدة للاعتراف بسقوط نظام القذافي وفقدانه الشرعية، تبحث عن طرف تتصل به وتتحدث معه بشأن الاعتراف بالوضع الجديد الناشئ في ليبيا، وبحث سبل تقديم الدعم والمساندة.

هنا نشأت الحاجة إلى إيجاد جسم يمثل الشرعية الجديدة في ليبيا، ويتحدث باسمها أمام العالم، فتم توافق جديد بين أبناء شعبنا، بمختلف أطيافه وشرائحه في الداخل والخارج، على تشكيل مجلس سمي (المجلس الوطني الانتقالي)، وتم توافق مماثل على تسمية السيد المستشار مصطفى عبد الجليل رئيساً له، والسيد المحامي عبد الحفيظ غوقة ناطقاً رسمياً، ثم أعلن عن تشكيل أولي لهذا المجلس بعضوية ممثلين عن بعض المجالس المحلية في مدن المنطقة الشرقية، وممثلين عن شباب الثورة. وتولى هذا المجلس مسؤولية تمثيل البلاد وإدارة شؤونها في الداخل والخارج.

ودون الحاجة إلى التطرق لمختلف الملابسات التي أحاطت بتركيبة المجلس الوطني الانتقالي فيما تلا ذلك من مراحل تطوره، وما تعرض له المجلس من اختبارات واختيارات بالغة الصعوبة، في مواجهة الحرب الشرسة التي اضطررنا لمواجهتها على مدى ثمانية أشهر، فإن ثمة اتفاقاً في الوقت الراهن على أن وقفة جادة لإعادة النظر والمراجعة والتصحيح باتت ملحة وضرورية، لإمكان فتح آفاق الحركة إلى الأمام في اتجاه تأسيس الدولة الجديدة.

ولكن هذه الحاجة إلى التصحيح والمراجعة أخذت تواجه إشكالية كبيرة، يتبين مع الوقت أن حلها ليس بالسهولة التي يتخيلها البعض. هذه الإشكالية هي مسألة الشرعية التي يقول البعض، وهم محقون في ذلك، إن المجلس الوطني لا يتمتع بها، من جهة أنه ليس منتخباً من الشعب، انتخاباً حراً ونظامياً، وقضية البحث عن الوسيلة الممكنة والمناسبة لإيجاد كيان يتمتع بالشرعية المطلوبة عبر صناديق الاقتراع.

ولقد أخذ يتبين لنا جميعاً أن مسألة القدرة على مواجهة استحقاق انتخابي، يكون له قدر من المصداقية والشفافية والدقة، تزداد مع تشعب المسائل والقضايا المتعلقة به، بدءا من التوافق على قانون لهذه الانتخابات يحظى بقبول وموافقة غالبية مناسبة من الشعب، مرورا بالحاجة إلى توفير البنى الإدارية والتنظيمية واللوجستية اللازمة لإجراء تلك الانتخابات، صعوبة وتعقيداً، على نحو يجعلنا نتشكك كثيراً في إمكانية مواجهة ذلك فيما تبقى من المهلة التي حددها الإعلان الدستوري.

وها نحن أولاء نرى كيف تتكاثر التجاذبات وتشتد الاختلافات حول هذه المسألة، دون بروز مؤشرات فعلية لإمكانية التوصل إلى اتفاقات ترضي الجميع.

ومن أجل المساهمة في البحث عن حل لهذه الأزمة، أتقدم بالاقتراح التالي:

يتمثل هذا الاقتراح في تجزئة مواجهة الاستحقاق الانتخابي عبر هذه المدة المتبقية في نص الإعلان الدستوري لإجراء انتخابات المؤتمر الوطني، بتنفيذه على مراحل متعاقبة، من خلال إجراء انتخابات لاختيار مجلس يمثل سكان كل مدينة، يتكون من عدد من الأعضاء يتناسب مع عدد السكان فيها.

وربما ننجز هذه العملية بتقسيمها إلى عدة مراحل، نوظف فيها طاقات الدولة التنظيمية من مختلف المدن والشرائح، فننظم انتخابات لمجالس عدد من المدن في جهة معينة، أو في جهات مختلفة، يشرف عليها ويديرها موظفون ومراقبون من خارج تلك المدن، وربما بالاستعانة بموظفين من منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية المتخصصة.

بعد تمام هذه العملية، خلال ثلاثة أو أربعة أشهر أو خمسة، يكون لدينا مجالس منتخبة في كل المدن الليبية، تتمتع بشرعية حقيقية لا ينازع فيها أحد. وهنا ربما نتفق على أنه لن تعود لنا حاجة لإجراء انتخابات لمؤتمر وطني، لأننا يمكن بكل سهولة أن نتفق على أن ينتخب كل مجلس مدينة ممثلاً عنه، ومن هؤلاء الممثلين عن مجالس المدن المنتخبة، يتكون مؤتمر وطني له الشرعية الكاملة المستمدة من الانتخاب المباشر، يتولى السلطة فيما يتبقى من المرحلة الانتقالية، وينجز ما ينبغي إنجازه فيها: تشكيل لجنة صياغة الدستور، الاستفتاء على الدستور، إجراء الانتخابات الدستورية النهائية: البرلمان ورئاسة الدولة أو الحكومة.


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا