القبائل تتحكم بالأنظمة العربية؟

جوزيف ملكون

هل صحيح أن القبائل تتحكم بمعظم الأنظمة العربية وأن كلمتها مسموعة من قبل الحكام وإلا انهار حكمهم؟ هذه الظاهرة يتحدث عنها المثقفون ويؤكدونها بالأدلة التاريخية والوقائع ما لا يدع أي مجال للشك فيما يقولون ولا سيما ان أحداث الربيع العربي أظهرت ما كان مخبأ أو مختفيا.

لنبدأ بسوريا التي ما زالت تعيش أزمتها السياسية المتفاقمة. في الثلاثين من كانون الثاني الماضي عقد الملتقى العاشر للقبائل والعشائر السورية في محافظة «الرقة» واستمر يومين شاركت فيه وفود عشائرية عربية ودولية تحت شعار «ماضون في التصدي للمؤامرة على سوريا ومستنكرون للأعمال التي تستهدف أرواح السوريين الأبرياء ورافضون للحصار الاقتصادي على سوريا!».

المشاركون أكدوا تمسكهم بالوحدة الوطنية ورفضهم كل أشكال التدخل الخارجي ونبذ التفرقة بين مختلف شرائح المجتمع السوري ودعمهم  لبرنامج الإصلاح الشامل والحوار بقيادة الرئيس بشار الأسد.

يقول الكاتب السوري، عبد الناصر العايد، ان المواطنين من أصول قبلية ينتشرون في سوريا من أقصى الشمال الشرقي إلى حوران جنوباً ويشكلون بعددهم ما يقرب من 7 ملايين نسمة من أصل 22 مليون حزاماً بشرياً عميقاً يطوق المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب وحمص وحماة.

الكاتب أشار إلى الدمج العضوي للعشائر بالمجتمع السوري عبر مؤسسات الدولة وتحرير الأفراد من القوانين العشائرية وسلطة الشيوخ ووضعهم تحت جناح دولة القانون. وقد تولى الجيش مهمة الدمج بعد سن قانون الخدمة العسكرية الإلزامية.

الجدير بالذكر أن الشمال الشرقي من سوريا يشكل ثلث مساحة البلاد البالغة 187 ألف كيلومتر مربع وربع سكانها وتنتج 90 في المئة من النفط وثلثي المحاصيل الزراعية المهمة مثل القمح والقطن.

وإذا انتقلنا إلى العراق نجد الوضع ذاته وربما أكثر حيث تتوزع القبائل من شمال البلاد إلى جنوبه وغربه وشرقه إلا أن نفوس العشائر في الجنوب أكثر من سائر المناطق. ولديها من النفوذ والسيطرة بحيث استعان الجيش الأميركي بالمئات من أفرادها في حماية الطريق البري الذي سلكته الآليات الثقيلة متجهة إلى الكويت. ودفع الأميركيون عشرات الآلاف من الدولارات لقاء ذلك بحيث لم يتمكن المسلحون من التعرّض للقوافل العسكرية.

وقد كان في العراق قانون خاص بالعشائر يطبق في النزاعات التي تنشب بينها أو إذا ارتكب أحد أفرادها جريمة بحق الآخرين. وظل القانون ساري المفعول حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أقامت نظاماً جمهورياً وألغت القانون المذكور لتجعل كافة العراقيين يخضعون لقانون عقوبات واحد.

إلا أن بقاء الانتماءات القبلية لم يؤثر على أوضاع العراق عموماً فالجميع مواطنون يحق لهم الانضمام إلى أي حزب أو مجموعة سياسية معينة تسعى من أجل المصلحة العامة.

حتى اقليم كردستان تنتشر فيه قبائل كردية وتعد قبيلتا «بارزان» و«طالبان» من أبرزها وأقواها. الأولى يقودها مسعود البارزاني الذي انتخب رئيساً للاقليم وتتمركز في محافظة اربيل.

أما الثانية فيتزعمها رئيس الجمهورية، جلال الطالباني وتنتشر في السليمانية وظلت الخصومة والاشتباكات تنشب بين حين وآخر بين القبيلتين حتى تسعينات القرن الماضي حين تم مصالحتهما بوساطة أميركية وتركية لينعم أقليم كردستان بالاستقرار والأمن.

وتجلى دور القبائل وأهميتها في مكونات الشعب العراقي اختيار الشيخ غازي الياور، من شيوخ عشائر «شمر» التي تقطن محافظة نينوى أول رئيس جمهورية بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدام حسين أعقبه انتخاب الطالباني من قبل أول برلمان عراقي تألف بعد انتخاب جرت في كانون الثاني 2005.

وتؤلف القبائل أكبر شريحة في المجتمع الكويتي بل ان ابناءها يؤلفون نصف سكان الكويت، كما تذكر الوثائق التاريخية والعديد منهم يشغلون مقاعد برلمانية ووزارية منذ استقلال البلاد قبل خمسة عقود.

ويوم هاجم مئات من أبناء قبيلة «فطير» المقر الانتخابي للمرشح إلى الانتخابات، محمد الجويهل، وأحرقوه قبل 36 ساعة من موعدها صرح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد بأنه يرفض المساس بأي شريحة في المجتمع الكويتي ومنها القبائل وذكر بيان للديوان الأميركي أن من يمس القبائل كأنما مس الكويت كلها.

ونجد القبائل منتشرة في سائر دول مجلس التعاون الخليجي يسودها التعايش السلمي والاحترام المتبادل والأخوة وما يعزز علاقاتها التزاوج بين أبنائها وتحكيم العرف والعادة بين العديد منها.

ولا يختلف الوضع في اليمن الذي يجاور دولتين خليجتين هما السعودية وسلطنة عمان عن غيره من دول المنطقة، والصراع القبلي بلغ حدته منذ نشوب الثورة ضد نظام الرئيس علي عبد الله صالح قبل أكثر من عام حيث طالب فريق كبير من السكان بضم قبائل مختلفة برحيل علي صالح الذي مضى عليه في الرئاسة زهاء ثلاثة عقود. وهو اعتمد في حكمه ليس على الاصلاحات التي حطمت بعض قيود الرجعية والتقاليد البالية بل على ولاء قبيلته وأقاربه. أما خصمه الرئيسي فكان الشيخ صادق الأحمر زعيم عدد من القبائل المعارضة لاستمرار صالح في الحكم.

وقد طالب شيوخ عشائر «البيضاء» السلطة أواسط كانون الثاني الماضي بإخراج تنظيم «القاعدة» من مدينة «رادع» التي يقيمون فيها وإلا قاموا بالعملية بأنفسهم ما يدل على نفوذهم.

وإذا توجهنا نحو جنوب السودان الذي استقل في تموز الماضي نجد ان شعبه خليط من قبائل عربية إسلامية ومسيحية ووثنية جمعها التوق للاستقلال والتحرر من سيطرة حكومة الخرطوم التي أهملت مناطقهم وتركتها في حالة من التأخر والتدهور الاقتصادي.

قبل بضعة أسابيع هاجم أشخاص من قبيلة «مورلي» من مقاطعة «بيبور» قرية «دوك باديت» وأدى الهجوم إلى مقتل 51 وجرح 22. أما سبب الاشتباك فيعود إلى صراع حول مناطق الرعي. وتعد قبيلة «دنكا» أبرز القبائل في الجنوب وينتمي إليها العديد من الوزراء وكبار رجال الدولة.

ولا تختلف ليبيا عن دول عربية أخرى من حيث انتماء سكانها إلى أربعين قبيلة. وكان الرئيس السابق معمر القذافي ينتمي إلى قبيلة «الورفلة» النافذة التي تعد الأكبر في ليبيا ومعقلها مدينة «بني وليد» الكائنة على بعد 170 كلم جنوب شرقي طرابلس. وقد شهدت المدينة أواخر كانون الثاني الماضي اشتباكات عنيفة بين سكانها وبين ثوار سابقين استمرت بضعة أيام حيث أن السكان ما زالوا متعلقين بالقذافي. واضطرت السلطة إلى إرسال وحدات عسكرية للقضاء على الفتنة قبل أن تستفحل ووعد سكانها بعدم الاعتداء عليهم والعناية بهم مثل غيرهم من الليبيين.

وتكررت الاشتباكات في المنطقة ذاتها بعد اسبوع وصفت بأنها اشتباكات قبلية واضطرت حكومة طرابلس إلى إرسال قوات عسكرية لاخمادها أيضاً.

خلال حكمه حاول القذافي استرضاء القبائل بتلبية مطالبها بحيث تتلائم مع الأوضاع الحضارية. ولا بد للظام الثوري الحالي اتباع الاسلوب ذاته إنما من دون تمييز بين قبيلة وأخرى وبما يتناسب مع أجواء الحرية والديمقراطية.

أما جيبوتي ذات الموقع الاستراتيجي في القرن الافريقي والمطلة على مضيق باب المندب وكانت تعرف بالصومال الفرنسي قبل أن تستقل عن فرنسا عام 1977 وتنضم للجامعة العربية مساحتها تبلغ 25 ألف كيلومتر مربع وسكانها الذين يقدرون زهاء مليون نسمة نصفهم يقطن العاصمة جيبوتي. وهم موزعون بين قبيلتين رئيسيتين هما «العيسى» و«العفر». ومع أنهما وحّدا مقاومتهما ضد الاستعمار قبل الاستقلال لكنهما سرعان ما اختلفتا لاحقاً فنشب صراع سياسي بينهما استمر 10 أعوام وانفجر عسكرياً عام 1990 وتفاقم كحرب أهلية أواخر 1991، ويرجع الخلاف بين القبيلتين إلى جذور قبلية. وهناك قبائل أخرى أو عشائر أصغر حجماً.

ولم تستقر جيبوتي إلا بعد اختيار الرئيس حسن جوليد من قبيلة العيسى وتعيينه رئيس الوزراء من قبيلة العفر وهكذا تقاسمت القبيلتان السلطة.

ويعد الصومال الذي يجاوز جيبوتي البلد العربي الآخر الذي تفتك به حرب أهلية منذ أكثر من عقدين. سكانه يتوزعون بين خمس عشائر رئيسية تتفرع منها عشائر صغيرة، وتعتبر عشيرة «وارود» أكبرها وتشكل 35 في المئة من الصوماليين تليها عشيرة «حوية»، 23 في المئة و«اسحق» 23 في المئة أيضاً وعشيرتا «ديفيل» و«راحنوين» 11 في المئة. يقال ان جميع العشائر تنحدر من أصل ونسب واحد.

الرئيس محمد سياد بري الذي قاد انقلاباً عسكرياً 1969 ينتمي إلى عشيرة «المارهان» وقد استمر في السلطة حتى كانون الثاني 1991 عندما أطاحت به المعارضة جمعت عدداً كبيراً من الحركات العشائرية بما فيها الحركة الوطنية الصومالية لعشيرة «اسحق» الشمالية.

يقول محللون ان بقاء سياد بري في الحكم فترة طويلة يعود إلى ذكائه في استغلال المنافسة بين العشائر ومعاقبتها.

وبعد هروب بري إلى قبيلته استولى على العاصمة «مقاديشو» مجلس الصومال الاتحادي الذي كان يمثل عشيرة «حوية». وتم تنصيب أحد أعضاء المجلس البارزين وهو علي مهدي محمد، من عشيرة ايغال الفرعية رئيساً مؤقتاً للصومال. إلا أن الجنرال محمد فارح عيديد، من عشيرة «هبرغدير» الفرعية تحداه ونشب صراع دام بين الاثنين توسطت واشنطن في وقفه لفترة قصيرة إذ سرعان ما استؤنف القتال في وقت كانت فيه الصومال تعاني من مجاعة، وتدخلت الأمم المتحدة لوقفها وتقديم المساعدات الغذائية ثم انسحبت المنظمة الدولية بعد عامين عندما تعرّض جنودها لنيران المقاتلين.

هل تبقى العشائر تتحكم بالأنظمة العربية؟ الزمن هو الجواب.

التجنيد الإجباري، مثلاً، لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد فالكل يخضع لخدمة العلم. واختلاط أبناء العشائر مع أبناء المدن يمهد الطريق أمام انصهار الجميع في بوتقة واحدة فضلاً عن توظيف العشائريين في دوائر الدولة لا سيما إذا توفرت فيهم الشروط المطلوبة. ولا يمكننا أن ننسى دور التعليم حتى مراحله النهائية في اندماج الخريجين من أبناء العشائر في المجتمع الحضري.

اللواء


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا