عندما يتصدر السفهاء
كريمة أحمد
عندما جاءت آيات القرآن محذرة لأصحاب العقول والرأى الرشيد من مغبة التساهل ، وإرخاء الحبل لمن لم يكتمل النضوج العقلي عندهم ،وهذا ليس مقيداً بجنس أو فترة عمرية محددة وذلك عندما قال تعالى ((وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً )) فهذا التحذير الإلهي الواضح والخالي من أى لبس ، جعل من هذه الفئة المعينة هنا سبباً فى ضياع ما تقوم عليه حياة الآخرين ، فهم وبهذا الخلل الإدراكي لعواقب الأمور أصبحوا يمثلون خطورة على البقية بذلك السفه الذى قد تكون له أشكالاً وصوراً متعددة سواءً بالإهدار للمال أو الإسراف في إنفاقه أو بعثرته هنا وهناك في غير مجالاته التي تعود بالنفع على الجميع .
وبما أن حفظ الأنفس في الإسلام مقدمة على حفظ المال ، وهذا في سلم الأولويات طبعاً وإلا فإن كل ما تقوم عليه حياة البشر معتبر شرعاً وعقلاً ، لهذا فإن السفهاء الذين لا يقدرون قيمة الحياة الإنسانية وحرمة النفس البشرية ويتجردون من أى إتزان عقلي أو تفكير منطقي هم من أشد السفهاء خطورةً على المجتمع ، وهذه الفئة من الناس يغلب عليها عادةً طابع الجهل وإضمحلال التفكير ، ويعانون من التصحر الممتد الذى يشمل جميع جوانب التفكير لديهم ، لهذا فإن الحكمة وبعد النظر والتبصر في كوامن وعواقب الأمور لا توجد لها مكان بسبب ذلك الجفاف القاحل الذي تعاني منه نفوس وعقول هؤلاء ، وأشد ما يكونوا خطورة على المجتمع هو فى أوقات النزاعات إو إنفلات الأمور من عقالها ليتهيأ لهم مجالاً خصباً لتجسيد جهالتهم وسفه عقولهم الى واقع مرير يكتوى ويتأذى به كل ذى رأى سديد ، وهذا مع الأسف ما نراه حاصلاً في عاصمة التمدن والحضارة طرابلس الأسيرة ، فهى لم تهنأ بإنفكاك قيودها ونيل حريتها بعد هلاك آسرها لتجد نفسها مرة أخرى أسيرة لمجموعة من منكرى القول والفعل ، وكأن القدر قد أجرى على سكانها أن يكونوا فى مواجهة كل جاهل بطًال ، فهى اليوم تتململ من واقع فرضه عليها ثلة من سفهاء الرأى والأحلام ، وبالرغم من صوتها الذى صدح به أهلها فوصل صداه الى كل الأصقاع لكنه لم يجد عند هؤلاء إلا آذاناً صماء وقلوباً جوفاء وعقولاً خاوية ، وكأنما صدق عليها وعليهم قول الشاعر :
وإن عناءاً أن تفهم جاهلاً .... فيحسب جهلاً أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه .... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
متى يرعوى عن سيئ من أتى به .... إذا لم يكن منه عليه تندم .
والأشد ما يجعل المرء يبلغ أقصى درجات الحيرة والإندهاش هو ما يراه ويسمعه من شخص لا يمت للعلم والحكمة بأية صلة ليخوض في أمور جلل وحوادث عظام تحتاج الى أهل العلم والحكمة ليديروا دفتها ويحلوا كافة عقدها المتشابكة ، وليوصلوا البلاد والعباد الى شاطئ الأمان ، فكيف يجوز لمثل هذا الشخص ولمن معه أن يتصدروا لمثل هذه الأمور وينصًبوا أنفسهم قضاة ومشرعين ، حتى وصل الجهل بأحدهم أن يصرح أنه يملك القوة لإسقاط الحكومة الجديدة ، ويملك القوة لإحتلال الإذاعة ، ويملك كذا وكذا...، ليغرق به وحل الجهالة لأن يتغطرس قائلاً لايفل الحديد إلا الحديد ، ونسى من شدة جهله أن الناطقين بهذا المصطلح قد محيت ذكراهم وإندثرت آثارهم من صفحات التاريخ ، ولعمرى أن الحكمة لايوجد لها مكان فى قاموس هؤلاء ، وأن العمى قد أصابهم كما أصاب من كان قبلهم .
وكم من كلام قد تضمن حكمة .... نال الكساد بسوق من لا يفهم
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم فى الصغر.
وأقول إن لم يؤخذ على أيدى أولئك السفهاء ناكرى الجميل للبلاد ومنكرى القول والفعل على العقلاء من العباد سيكون المآل الى شئ نكير لا يرضاه أولى العقل والفكر السليم ، ولأهل العاصمة الشرفاء أقول لقد نلتم الحرية بإستحقاق وبجدارة ، فما دفعه أبنائكم وبناتكم من ثمن باهظ يلزمكم ألاً تلوذوا بالصمت والصبر الجميل ، فإن السفهاء إذا ما نتـقوا سفينة الوطن بجهلهم فلن يغرقوا وحدهم ، بل سيكون الوبال على الجميع، وعلينا وعلى جميع من تولوا المسؤلية أمام الله تعالى وأمام الناس أن نعي تلك الآية التي بدأت بها ، وأن لا ندع السفهاء يضيعوا أرواحنا وأموالنا التى هى منة وهبة من الله وحده ، ولهذا لا توجد وسيلة للحد من النتائج المضرة التى قد يجرها على البلاد مثل هؤلاء إلا وسيلة الحجر عليهم وعلى تصرفاتهم ، وهذا هو الضمان والحل الوحيد الناجع لوقف ذلك التمادى فى السفه ، وهذا هو المضمون العلاجى للآية القرآنية التى بها نهتدى .
أما الحماقة فهى داء متأصل حار الحكماء فى تتطبيبه وعلاجه ، فما علينا سوى إبعاد من يتسم بها عن مواقع إتخاذ القرار ، لأن فيه حياة لنا ولهم على حد سواء ، ونحن لانملك لهم دواء لنعالج لهم هذا الداء ، وكما قيل :
لكل داء دواء يستطب به .......... إلا الحماقة أعيت من يداويها
وما عليهم سوى التفتيش بين ثنايا ضمائرهم لعلهم يجدون بقية لدين أو خلق يردعهم
أو تذكرة للموت تنبئهم بأن هناك رب قوى سيقفون بين يديه ليسألهم عن النقير والقطمير ، وعندها فقط سيعلمون أن الجهالة قد توصلهم الى سؤ المآل وبئس المصير .
![]()
|
للإتصال بنا: [email protected] |
أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة
أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي
الإعلان الدستوري
سقط المكابر
رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي
للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر
بطـاقة إلى مصراتة
|
أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة" |
|
العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص ** قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة ** محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا" ( 1) (2 ) (3) |
|
رمــال متـحـركة تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي |


![]() |
| ورقة الدكتور عبد المجيد النجار |
| ورقة الدكتور محمد بشاري |

النسخة العربية النسخة الإنجليزية
من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع



خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

من إصدارات أخبار ليبيا


شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |