المراجعات والإصلاح السياسي في ليـبـيا

ورقة الاستاذ على رمضان أبوزعكوك

في ندوة "أخبار ليبيا" حول "الحوار لمواجهة السلاح"

11 يوليو 2010 بلندن

أولا: خصوصية الوضع الليبي

الوصول إلى الطريق المسدود:

بعد الفترة الطويلة التي عاشتها ليبيا قي ظل النظام الأحادي النظرة وصلت البلاد إلى طريق مسدود مما جعل أطرافا من أصحاب الرأي المعارض التي انعدمت أمامها وسائل التعبير السلمية في البلاد تضطر إلى حمل السلاح في مواجهة النظام، وكان من بين هذه الحركات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، والتي خاضت عددا من الصدامات الداميةمع الأجهزة الأمنية، والتي انتهت بعد عدة سنوات باعتقال معظم أعضاء الجماعة.

ثانيا: التجربة الليبية في المراجعات

لا يمكن دراسة المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة بدون الحديث عن دور المهندس سيف الإسلام القذافي، الرجل الذي صرح في أكثر من موقف برغبته في إيجاد تيار إصلاحي في ليبيا، وقد قام عن طريق المؤسسة التي يرأسها بالعديد من الخطوات الإيجابية في عملية إصلاح الحال الداخلي، وقد وفق في تحقيق بعض الأعمال المتعلقة بتحسين علاقة ليبيا بالخارج. وما يهمنا في هذا اللقاء هو دوره الإيجابي في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا وعلى رأسها تحسين أوضاع المعتقلين السياسيين وقد قام بعدة خطوات كان منها:

قيامه بمبادرات فك الارتباط بين الدولة والمعتقلين السياسيين ومن بينها:

1ـ الإفراج عن المعتقلين من أعضاء الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا سنة 2003

2ـ الإفراج عن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين 2005 سنة

3ـ الدخول في عملية المراجعات مع أعضاء الجماعة المقاتلة، والتي ابتدأت سنة 2007، وقد رتب سيف الإسلام دعوة كل من نعمان بن عثمان عضو منتدى ليبيا لتنمية البشرية والسياسية، والشيخ على الصلابي المفكر والكاتب الليبي المعروف للقيام بالوساطة بين الدولة الليبية ممثلة في أجهزة الأمن الليبية وقيادة الجماعة المقاتلة الموجوة في السجن، وبمتابعة وإشراف مباشر من سيف الإسلام نفسه، وقد استمر هذا الجهد لأكثر من 3 سنوات إلى أن بدأت أعداد من أعضاء الجماعة المقاتلة المعتقلين الخروج من السجن، وقد تكللت العملية أخيرا بالنجاح في إصدار الجماعة للوثيقة المهمة "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس" التي نختصرها تجاوزا بالمراجعات، والتي وجدت صدى طيبا في أوساط العديد من المهتمين بالشأن الليبي على وجه خاص، وبالشأن الإسلامي على وجه عام. و كتب عنها العديد من المشايخ والعلماء المسلمين، وقد وفقنا إلى جمع عدد من هذه الكتابات في ملف خاص بالعدد الأخير من مجلة المنتدى الليبي "السنة الثالثة العدد الثاني".

4ـ تصديه للعقبات التي كانت تضعها الأجهزة والمؤسسات الأمنية المتشككة في إمكانية نجاح الحوار وإصدار المراجعات وحرصه على نجاح إتمام العملية بخروج قياديي الجماعة المقاتلة من السجن ومشاركتهم في المؤتمر الصحفي الذي عقده سيف الإسلام في طرابلس بهذه المناسبة.

رأي في عدم رفع السلاح ضد الدولة

لقد كانت لنا في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيافي فترة الثمانينيات من القرن الماضي تجربة محدودة في محاولة تغيير الوضع الليبي بالقوة، وبعد تجربة عملية شاقة ومضنية توصل بعض الأعضاء المؤسسين للجبهة إلى عدم جدوى محاولة تغيير الوضع بالقوة، ووصلت شخصيا إلى قناعة بأن منهج الدعوة إلى إصلاح الشأن العام بالحسنى هو أقرب إلى روح ديننا الحنيف والذي تجلت مظاهره في رسالة الأنبياء. وهو أمر مهم في العمل على حقن دماء الناس وتكريم النفس الإنسانيى التي حرمها الله سبحانه وتعالى.

الدولة يجب عليها مراجعة نفسها

المصالحة والتسوية السياسية بين الدولة والمعارضة الداخلية والخارجية

من المهم هنا ذكر أن مشروع المصالحة والتسوية السياسية بين الدولة وبين المعارضين وبرغم دعم سيف الإسلام لهذا المشروع ورعايته له، إلا أن الأجهزة الأمنية في ليبيا كانت هي الجهة التي قامت وتقوم على إدارة المشروع. ويظهر أن هذا الموقف هو موقف متجذر في المؤسسات الحاكمة العربية التي تسعى دائما بأن تكون العلاقة مع أصحاب الرأي الآخر في بلدانها محكومة بالأجهزة الأمنية صاحبة النفوذ في داخل الفسيفساء العربية الحاكمة ( إن لم نقل داخل معظم بلدان العالم الثالث). ومن غير المعقول في الحالة الليبية أن تقوم هذه الأجهزة الأمنية بمثل هذه النشاطات إن لم تكن برضى أو بالموافقة الضمنية أو الصريحة من قيادة الدولة.

المراجعات طريق ذو اتجاهين

لعل الفقرة الإولى من مدخل المراجعات توضح الأمر الذي استدعي قيام الجماعة المقاتلة بهذا العمل الجليل، والتي جعلتهم يقولون في مدخل المراجعات بأن هناك:

"مسافة طويلة بين حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية، تنظيرا وتحريضا وتطبيقا وممارسة، وبين الاستعداد للمساهمة في البناء والتنمية، رغبة وطموحا ونصحا، مساحة تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة التي تزداد عددا ونوعا، كلما ازداد غياب العلم بمنطلقات ودوافع من حمل السلاح سابقا ومن رغب في البناء مستقبلا" (من مدخل المراجعات ص 11)

وهذا الأمر يستدعي قيام النظام الليبي نفسه بمراجعة سياساته تجاه المعارضين له. فكما بدأ المعارضون بقطع هذه المسافة (النفسية) الطويلة ،فإن الأمر يستدعي قيام النظام الليبي بخطوة تبين تثمينه لهذا الموقف. وهذا الأمر لا زال يمثل للآسف الشدسد البعد الغائب في جل المحاولات التي قامت بها الجماعات الإسلامية التي حملت السلاح ضد الأنظمة السياسية الحاكمة. وقد ذكرت في أثناء لقائي بالمهندس سيف الإسلام أن على الدولة الليبية أن تبادر في هذا المجال على الإقدام على خطوات تؤكد بها رغبتها وحرصها على المصالحة الوطنية مع معارضيها في الداخل والخارج، وهذا الأمر لا يمكن أن يؤدي نتائجه المرجوة إذا لم تقم الدولة أولا بالإفراج على المعتقلين السياسيين والذين لا يمكن بأي حال ومن الأحوال أن يشكلوا خطرا على النظام في ليبيا. وثانيا بإيجاد هيئة للإنصاف والمصالحة تقوم بالعمل على حل الملفات الشائكة كقضية المغيبين وقضايا ضحايا سجن أبوسليم.

ولقد أصبح من الضرورة الخروج من الإطار المغلق الذي صنعه المناخ الثقافي والسياسي الذي لا يسمح بوجود حراك اجتماعي وسياسي مستقل (خارج إطار المؤسسات الرسمية الحاكمة) من أجل وجود سياسة جديدة ذات منظور منفتح على الجميع، ولذا فإن خروج قيادة وأعضاء الجماعة المقاتلة ومن قبلها جماعة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وكذلك جماعة الإخوان المسلمين، الذين قضوا جل شبابهم في العمل السياسي المنظم، من المعتقلات بدون إيجاد مجالات للنشاط السياسي المشروع داحل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات السياسية، سيقلل من إمكانية استفادة الوطن من إمكانيات هذه الفئات المهمة من أبناء الوطن.

وكذلك فإن وصول الدولة إلى هذا التفاهم مع من حملوا السلاح في يوم ما ضدها يجعل من الضروري أن تنفتح الدولة الآن على بقية المعارضين الذين يرغبون في مصالحة وطنية عامة تشمل جميع من يرغب في ذلك.

الاستراتيجية التي ينبغي على الدولة أن تتبناها في التعامل مع الشباب الإسلامي:

ترتبط هذه القضية بأهمية فتح المجال لكل المواطنين بإيجاد مساحة من الحرية في التعبير عن الرأي في مختلف وسائل التعبير، وإيجاد الوسائل التي تتيح الحركة للشباب بصفة عامة والشباب الإسلامي بصفة خاصة، وهو أمر ضروري، وهو المطلوب لتهيئة الفرصة لهذا الشباب للابتعاد عن التفكير في مجابهة ضغوط السلطة بالقوة، إذا وجدوا أن المجال مفتوح أمامهم للعمل في إطار مؤسسات شرعية ومشروعة داخل ليبيا كمؤسسات المجتمع المدني، والنقابات والاتحادات، إضافة إلى الحاجة الماسة لفتح المجال أمامهم للتعبير السياسي، والمشاركة السياسية. وهو ما يعني فتح المجال لتفعيل دور المواطنة (من زاوية أن المواطنة حق للجميع )، والتأكيد على أن روح المواطنة تعني بالدرجة الأولى قيام المواطنين بواجباتهم التي يتطلبها الوطن قبل الحديث عن الحقوق.

وهذا الأمر يتطلب النظر في التشريعات والقوانين التي صدرت بغرض إلغاء الصوت المعارض وتكميمه وإسكاته، مرة بدعوى حماية الثورة وأخرى بدعوى تجريم الحزبية، أو بمقولة لا حرية لأعداء الشعب (حتى وإن كانوا من أبناء الشعب). فقد خلق الله الناس مختلفين ومتباينين في المعرفة وفي العلم وفي المواقف. وأراد الله سبحانه ألا يكون واحدا سواه وأما عداه فهو متعدد ومتنوع.

أهمية دور الإسلاميين في برامج التنمية البشرية في المجتمع الليبي:

بينت تقارير الأمم المتحدة للتنمية أن المشكلة الكبرى التي تعاني منها شعوب المنطقة تتلخص في البطالة التي تصل في ليبيا بين الشباب إلى 30%، وإذا عرفنا أن معظم سكان ليبيا من الفئة العمرية (الأقل من 30 سنة)، وقد التقيت أثناء زيارتي لليبيا بعدد من الشباب الذين كان يشكون من البطالة وسوء الآحوال المعيشية وانتشار الفساد والمحسوبية بدرجة تجعلهم ساخطين على الأمور بشكل عام، وقد كانت نصيحتي لهم أن أول خطوات محاربة الفساد هو أن يعمل كل فرد على ألا يشارك فيه مهما كانت المغريات، ولعل الدولة تقوم بما وعدت به أكثر من مرة في برامج محاربة الفساد الذي أخذ ينخر في جسد ليبيا والذي ضيع عليها فرصها في التنمية مما جعلها تتأخر عن غيرها من الدول العربية غير النفطية في التنمية. وعلى الدولة القيام بمراجعات شاملة في سياساتها التعليمية والاقتصادية. وأن تبدأ في مراجعات شفافة ودقيقة لما ثم إنجازه في العقود الأربعة السابقة، على أن تتوجه باستراتيجية جديدة وجدية للاستفادة من قدرات الشباب بصفة عامة والشباب الإسلامي خصوصا، وذلك لأهمية مشاركة الشباب الإسلامي في عمليات التنمية لقطع الطريق على الدعوات التي تستخدم القيم والمفاهيم الإسلامية وتفسرها تفسيرات إيديولوجية لمواجهة سوء الأوضاع المعيشية، ولتجنيد الشباب للقيام بمواجهة هذه الأوضاع بالقوة.

إن أهم الدروس التي بإمكان ليبيا أن تستفيد منها هو أن نجاحها بقيامها بالريادة في عملية المصالحة والإصلاح مع المعارضين لها هو النموذح الذي بإمكانها أن تقدمه لغيرها من الأشقاء والجيران ولعل ذلك يكون تصديقا لمقولة : (من ليبيا يأتي الجديد!)

24 يوليو 2010

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة

أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي

القائمة الكاملة بعد التحرير 

الإعلان الدستوري

المجلس الوطني الإنتقالي

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا