تنمية الموارد البشرية في التجربة التنموية الماليزية
بقلم د. عارف التير
"إن حصول الإنسان على المعرفة والمعلومات يمكنه من إنجاز الكثير من الأشياء في حياته، كما انه يرتقي بالفرد وبحيــــــــــــاته إلى ستويات تفكير أعلى، ويؤدي إلى الحراك الاجتـــمــــــــــــاعي فيكافيء المجدين ويسقط الخاملين حيث يكسر هـــــــــراركـــــية المجتمع من خلال خلق مجتمـع ثري لكــل فـــــــرد، فيــــــــــقــدم التعليم للجميع، فيجب أن يقــــــوم التــــــــعليـــــم على لتفــــــكــــير المنطقي والعقلاني لمجابهــة التحـــــديات والمشـــكـــلات وهو الاستـثمار الحــقيقــي للدولة " مهاتير محمد .
توطئة:
تقع دولة ماليزيا في جنوب شرق آسيا مكونة من 13 ولاية وثلاثة أقاليم اتحادية، بمساحة كلية تبلغ 329.846كم2، العاصمة الفيدرالية كولالمبور، والعاصمة السياسية بتروجايا وهي مقر الحكومة الاتحادية، يصل تعداد السكان أكثر 28.276 مليون نسمة وفق تعداد سنة 2009، وهي تضم مجموعة متعددة من الأعراق والأديان حيث يمثل العرق الملاوي نسبة 58% ومعظمهم من المسلمين والعرق الصيني 31% بينما الهنود 9%، الإسلام هو الدين الرسمي للدولة بنص الدستور ويكفل لجميع الطوائف الأخرى ممارسة معتقداتها الدينية بكل حرية، ويسيطر الصينيين على أكثر من 60% على النشاط الاقتصادي بينما لا يملك الملايو إلا 35%، والهنود 5%، نظام الحكم ملكي دستوري فيدرالي حيث الملك هو أعلى سلطة في الدولة، ويتم انتخابه لمدة خمس سنوات من بين عدد تسع ولايات، والملك يملك ولا يحكم مثل نظام وستمنستر البريطاني، وتتعدد الأحزاب في ماليزيا وأهمها حزب الملايو الذي يعرف باسم حزب The United Malays National Organisation"UMNO"، وهو يحتكر السلطة منذ استقلال ماليزيا في سنة 1957م، والسلطة التشريعية يقوم بها البرلمان الذي ينقسم إلى قسمين مجلس النواب ومجلس الشيوخ، والسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الوزراء والوزارات.
اُحتلت ماليزيا من قبل البرتغاليين في سنة 1511م حتى سنة 1641م، ثم احتلها الهولنديون من سنة 1641م إلى سنة 1824م، ثم قام البريطانيين ببسط سيطرتهم على معظم ارخبيل الملايو اعتباراً من سنة 1824م وحتى الاستقلال في سنة 1957م، ووصل الإسلام إلى ماليزيا في القرن السابع الهجري، عن الطريق التجار اليمنيين الذين كانوا يقومون بأعمال التجارة في جنوب شرق أسيا خاصة مع جزيرة سومطره ومدينة مالاقا الماليزية، حيث كان المسلمون التجار والدعاة يتنقلون على طول السواحل الماليزية يحملون مع بضائعهم العقيدة الإسلامية محاولين نشر الدين الإسلامي، وفي سنة 1278م أسلم ملك جزيرة مالاقا على يد تجار مسلمين قادمين من جدة، وأطلق على نفسه اسم "محمد شاه"، وتبعه شعبه في اعتناق الإسلام، فقامت أول دولة إسلامية تعمل على نشر الإسلام في جنوب شرق أسيا، وفي غضون نصف قرن أصبحت مالاقا مركزاً يشع بالإسلام على المناطق المجاورة، فأسلمت اغلب جزر الملايو.
بدأت التنمية الفعلية في ماليزيا في سنة 1971م، بأول خطة عرفت باسم السياسة الاقتصادية الجديدة ( NEP ) New Economic Police 1971م – 1980م، وتم تمديد العمل بها عشر سنوات أخرى حتى سنة 1990م، ثم جاءت بعدها خطة التنمية القومية من سنة 1991م – 2000م (NDP) National Development Policy، ومُدد العمل بها عشر سنوات أخرى بنهاية 2010م، حيث صاغ فيها مهاتير محمد رؤية ماليزيا 2020م، وهي مستمرة حتى الوقت الحاضر، وداخل هذه الخطط طويلة المدى هناك خطط خماسية قصيرة المدى يتم من خلالها مراجعة ما تم تنفيذه من أهداف، بحيث تستكمل الخطط التالية ما بدأته الخطط السابقة، ولقد قامت التجربة التنموية الماليزية على عدة أسس أهمها:
1 ـ التركيز على بعض القضايا الرئيسية بوضعها هدف قومي:
من الاولويات التي كانت من ضمن أجندة جميع الخطط والسياسات العامة منذ 1970م وحتى ألان، وضع بعض القضايا كهدف قومي، وفي مقدمتها الفقر والبطالة، وتقليل الهوة بين الطبقات الاجتماعية، والارتقاء بالتعليم، وتنمية الموارد البشرية، والتركيز على التكنولوجيا، فقد تحولت ماليزيا من مجرد دولة مستهلك للتكنولوجيا إلى مصدر، وأصبحت من الدول المتقدمة في هذا المجال، فطبقاً لتقرير التنمية البشرية لسنة 2006م بلغ نصيب التكنولوجيا المتقدمة 55% من إجمالي الصادرات الصناعية للبلاد.
2ـ الربط بين الإسلام والتنمية:
حاولت السياسات العامة الماليزية المزاوجة بين الالتزام بواقع المجتمع الماليزي، وبين الانفتاح على كافة الثقافات الخارجية، وإذ يشكل الإسلام مكوناً ثقافياً هاماً للمجتمع الماليزي؛ فقد تم ربطه بعملية التنمية، من خلال تنمية الموارد البشرية في الجانب ألقيمي، بغرس قيم الإسلام التي تدعو إلى العلم و قيمة العمل النزيه والشريف بين الأفراد، ومن خلال إقامتنا بهذه الدولة فأكثر ما يلاحظ كثرة وجود المساجد في جميع الأماكن، حيث تجده حاضراً في جميع مراكز التسوق والمنتزهات والحدائق والفنادق والمستشفيات وحتى استراحات الطرق التي تفصل بين المدن، ومما يلفت الانتباه أكثر في الجامعات الماليزية إن اكبر المباني وأهمها هو المسجد الذي عادتاً ما يكون في بداية مدخل الجامعة، ولقد عبر مهاتير محمد وزعيم التيار الإسلامي في ماليزيا أنور إبراهيم:من إن تخلف المسلمين سببه الطائفية والقبلية والاستبداد الذي تعاني منه الشعوب الإسلامية، والصراعات التي تدور بين قياداتها، فأسباب التخلف هي داخلية بالأساس تتعلق بواقع المسلمين، وتقدم المسلمين مرهون بانطلاقهم ومحاولة خروجهم من هذا الواقع، ومواجهة إشكالاتهم ومشاكلهم يجب أن يراعي خصوصياتهم وفي نفس الوقت الاستفادة من كل ماهو من خارج هذا الواقع[1]،
3 ـ السياسات الاقتصادية المستقرة:
أدت حزمة السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات الماليزية المتعاقبة خلال الثلاث العقود الماضية إلى حالة من الاستقرار الاقتصادي، وهيأت بيئة ملائمة لنمو المدخرات المحلية ، وجذب الاستثمارات الأجنبية، كما أدارت الحكومة بحكمة وجدارة مشكلات التضخم النقدي وعدم التوازن المالي، ومشكلة نقص العمالة الماهرة، والتخطيط الاستثماري طويل الأجل.
4 ـ معالجة أزمة جنوب شرق آسيا سنة 1997م:
تميزت تجربتها بمواجهتها لهذه ألازمة، فلم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيوداً صارمة على سياستها النقدية، معطية بنكها المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، واستجلاب حصيلة الصادرات بالنقد الأجنبي إلى الداخل، وأصبحت عصا التهميش التي يرفعها الصندوق والبنك الدوليين في وجه من يريد أن يخرج عن الدوائر المرسومة بلا فاعلية في مواجهة ماليزيا، التي خرجت من كبوتها المالية أكثر قوة خلال عامين فقط، لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية وبنسبة نمو اقتصادي بلغ 5.8% سنة 1999م، وهي أعلى نسبة بين دول جنوب شرق أسيا التي عصفت بها ألازمة، وبلغ إجمالي الناتج المحلي10.3%، في النصف الأول من سنة 2000م كما بلغ نمو قطاع التصنيع وهو محرك أساسي لإجمالي الناتج المحلي13.5% سنة 1999م و24.6% في النصف الأول من عام 2000م، وزادت مساهمة قطاع التصنيع من إجمالي الناتج المحلي من 27.9% سنة 1998م إلى 30.1% سنة 1999م، كما انخفض معدل التضخم من 5.3% بعد ألازمة سنة 1998م إلى 2.8% سنة 1999م إلى 1.5% في النصف الأول من سنة 2000م، بينما أندونسيا وتايلاند مثلاً ما زالتا تعانيان من أثار هذه الأزمة .
هذه مجمل التوجهات التي تميزت بها التجربة التنموية الماليزية خلال العقود الثلاث الماضية، ونظراً لهذا التميز فقد حرصت كل الحرص وبحكم دراستي الدقيقة في هذه الدولة أن اطلع على السياسات العامة التي اتبعتها هذه الدولة منذ استقلالها وحتى ألان والتي أدت إلى التقدم الذي حققته في جميع المجلات والتي أهمها الاهتمام بالتعليم والبنية التحتية وتنمية الموارد البشرية، ولهذا سوف تتناول هذه الورقة بصورة مختصرة أهم الأجندة التي وضعتها الحكومات الماليزية لتنمية الموارد البشرية والتي أهمها:
أولاً: القضاء على الفقر
تعتبر تجربة مكافحة الفقر في ماليزيا من أبرز التجارب التي كُللت بالنجاح على مستوى العالم، فقد استطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970-2004م) تخفيض معدل الفقر من 52.4% إلى 5% وهو ما يعني أن عدد الأسر الفقيرة تناقص بنهاية عقد التسعينيات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عما كان عليه الحال في عقد السبعينيات، ومن المؤشرات الرسمية ذات الدلالة أن 94% من الفقراء في ماليزيا يتاح لأطفالهم التعليم الأساسي مجاناً ويستفيد 72% من الفقراء من خدمات الكهرباء و65% منهم يحصل على مياه نقية، وارتفعت توقعات الحياة لديهم إلى 74 سنة بدلاً من 69 سنة، وهذه النسب جميعها تشير إلى نجاحات كبيرة مقارنة بالدول النامية، ويتوقع إذا استمرت جهود الحكومة في محاربة الفقر على نفس الوتيرة أن يصل معدل الفقر بحلول العام 2010 حوالي 0.5%، ويكون الفقر المدقع قد تم القضاء عليه قضاءً مبرماً، واللافت في تجربة ماليزيا أن الحكومة وجهت برامج تقليل الفقر التي تم تنفيذها لتقوية الوحدة الوطنية بين الأعراق المختلفة المكونة للشعب الماليزي، واستخدمت هذه البرامج كوسيلة سلمية لاقتسام ثمار النمو الاقتصادي، حيث كان التفاوت الكبير في الدخول، وعدم العدالة في توزيع الثروة سبباً في وقوع اشتباكات دامية سنة 1969م بين الملايو والصينيين الذين يشكلون الأقلية، وبذلك ساهمت جهود تقليل الفقر بجدارة في تقليل التوترات العرقية وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي صار عنواناً لنهضة ماليزيا وازدهارها الاقتصادي، ولهذا سوف تتناول هذه الجزئية الفلسفة التي قامت عليها مكافحة الفقر في التجربة التنموية الماليزية، والبرامج التي قامت بها الدولة من اجل القضاء على الفقر.
ـ فلسفة مكافحة الفقر:
تقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن "النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل"، وعليه فإن مكاسب التطور الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابياً على المواطنين في تحسين نوعية حياتهم بما يشمل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أول المستفيدين من هذا النمو الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات العرقية الأكثر فقراً في المجتمع والأقاليم الأقل نمواً، ولا شك أن الإيمان بهذه الفلسفة كان دافعه الأول أن العلاقة بين زيادة النمو وتقليل الفقر طردية موجبة؛ لأن وصول الفقراء إلى تعليم أفضل، وإلى صحة أفضل سيساهم بفعالية في عملية تسريع وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
وفي دول جنوب شرق آسيا عامة وماليزيا خاصة، أدت زيادة النمو في النشاط الاقتصادي بمعدل نقطة مئوية واحدة إلى تقليل عدد الفقراء بنسبة 3% أو أكثر، وهي أعلى زيادة تم تحقيقها بين الدول النامية ،وقد تُرجمت فلسفة التنمية في السياسات الاقتصادية التي وضعتها الحكومة بين عامي (1971م-1990م)، والتي وُضعت جراء الاشتباكات العرقية الدامية 1969م، وركزت على هدفين: الأول تقليل الفقر، والثاني إعادة هيكلة المجتمع، وحددت هذه السياسة إستراتيجيات معينة لتقليل الفقر، مثل زيادة امتلاك الفقراء الأراضي ورأس المال المادي ورفع مستويات تدريب العمالة وزيادة الرفاهية العامة، وتم التركيز على تحسين الزيادة النوعية والكمية في عوامل الإنتاج المتاحة للفقراء، وكانت هناك مجموعات عديدة من السكان الفقراء في الريف والحضر محل عناية خاصة باعتبارها الأشد فقراً، كما تزايد الاهتمام القومي بمشكلة الفقر في 1974م عقب احتجاجات طلابية نتيجة تدهور أوضاع صغار مزارعي المطاط نتيجة انخفاض الأسعار وزيادة تكلفة الإنتاج، واستمر هدف مكافحة الفقر في الخطط القومية للتنمية حتى إنه تم تعديل تعريف خط فقر الدخل عام 1986م في النصف الثاني من الخطة الخمسية الخامسة 1984م-1990م ليأخذ في حسبانه إلى جانب احتياجات الحياة الضرورية من الغذاء وغير الغذاء، ما يجب أن يحصل عليه الفقراء من الملكية العقارية وصافي التحويلات المالية، وذلك حتى يعكس المؤشر الأبعاد المتعددة لطبيعة الفقر ونوعية الاحتياجات الأساسية (الغذاء والمسكن والملبس والخدمات الأساسية من مياه الشرب النقية والصحة والتعليم والمواصلات...) [2].
ـ البرامج التي قامت بها الدولة لدعم الفقراء:
نفذت الحكومة في إطار فلسفتها وسياساتها المواجهة للفقر برامج محددة وواضحة ومدروسة علمياً وعملياً أخذتاً في اعتبارها جميع الظروف الاجتماعية، وطبيعة المجتمع الماليزي والتي أبرزها:
1ـ برنامج التنمية للأسر الأشد فقراً: ويقدم فرصاً جديدة للعمل المولد للدخل بالنسبة للفقراء، وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية بهدف تحسين نوعية الحياة، وقام البرنامج بإنشاء العديد من المساكن للفقراء بتكلفة قليلة وترميم وتأهيل المساكن القائمة وتحسين بنائها وظروف السكن فيها بتوفير خدمات المياه النقية والكهرباء والصرف الصحي.
2ـ برنامج أمانة أسهم الملاويين: وهو برنامج تمويلي يقدم قروضاً بدون فوائد للفقراء من السكان الأصليين وبفترات سماح تصل إلى أربع سنوات، ويمكن للفقراء أن يستثمروا بعضاً من هذه القروض في شراء أسهم بواسطة المؤسسة نفسها.
3ـ برنامج أمانة اختيار ماليزيا: وهو برنامج غير حكومي تنفذه مجموعة من المنظمات الأهلية الوطنية من الولايات المختلفة، ويهدف إلى تقليل الفقر المدقع عن طريق زيادة دخول الأسر الأشد فقراً، وتقديم قروض بدون فوائد للفقراء، وتقدم الحكومة من جانبها قروضاً للبرنامج بدون فوائد من أجل تمويل مشروعاته للفقراء في مجال الزراعة ومشروعات الأعمال الصغيرة.
4ـ منحت الحكومة إعانات مالية للفقراء أفراداً وأسراً، مثل تقديم إعانة شهرية تتراوح بين 130-260 دولارا أمريكيا لمن يعول أسرة وهو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة.
5ـ تقديم قروض بدون فوائد لشراء مساكن قليلة التكلفة للفقراء في المناطق الحضرية، وأسست الحكومة صندوقاً لدعم الفقراء المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية في 1997م، تحدد إعتماداته في الموازنة العامة للدولة سنويًّا، إلى جانب إعتمادات مالية أخرى رغم تخفيض الإنفاق الحكومي عقب الأزمة المالية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وذلك لصالح مشروعات اجتماعية موجهة لتطوير الريف، والأنشطة الزراعية الخاصة بالفقراء.
6ـ توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، بما في ذلك مرافق النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس والخدمات الصحية والكهرباء، ونجحت أيضا في توسيع قاعدة الخدمات الأساسية في المناطق السكنية الفقيرة بالحضر في إطار إستراتيجية 2020م.
7ـ دعم أكثر الأدوية التي يستهلكها الفقراء، وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص في فتح المراكز الصحية والعيادات الخاصة لتخفيف العبء عن الدولة في محاولة للتوسع الأفقي للعيادات في القرى والأرياف، حيث يقوم الأفراد بتسجيل أسمائهم في عيادات خاصة مقابل أن تغطي الدولة قيمة علاجهم، خاصة الأطفال والحوامل.
8ـ القيام بأنشطة يستفيد منها السكان الفقراء مثل إقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وتساهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة. [3].
ثانياً :أهمية التعليم في تنمية الموارد البشرية
أدرك الإباء المؤسسون لماليزيا أهمية التعليم وتنمية الموارد في بناء الدولة منذ الاستقلال كعنصر موحد لعناصر الأمة يؤدي إلى سرعة ارتقائها سلم التطور الحضاري، ويعتبر مهاتير محمد من ابرز القيادات التي امتلكت رؤية واضحة وسياسة حكيمة اتجاه التعليم، ولهذا تميزت فترة رئاسته والتي امتدت من سنة 1981م إلى 2003م بالدعم الكامل للسياسات التعليمية وتعبئة الموارد البشرية وتبرز هذه الأهمية من خلال التركيز على محاور رئيسية في سياسات التعليم أهمها :
1 ـ أهمية التعليم باعتباره قائداً للتنمية:
دأبت جميع خطط التعليم طويلة المدى وقصيرة المدى على التركيز على أهمية التعليم والتدريب، وان المعرفة هي التي تحدد طريق الإنسان، وهذا ما عبر عنه مهاتير محمد بقوله : " إن حصول الإنسان على المعرفة والمعلومات يمكنه من إنجاز الكثير من الأشياء في حياته، كما انه يرتقي بالفرد وبحياته إلى مستويات تفكير أعلى، ويؤدي إلى الحراك الاجتماعي فيكافيء المجدين ويسقط الخاملين حيث يكسر هراركية المجتمع من خلال خلق مجتمع ثري لكل فرد، فيقدم التعليم للجميع، ويجب أن يقوم التعليم على التفكير المنطقي والعقلاني لمجابهة التحديات والمشكلات، وهو الاستثمار الحقيقي للدولة"[4]، ولهذا تشير إحصائيات 2006م، إن 93%من سكان ماليزيا يعرفون القراءة والكتابة، وان 99% من الأطفال الذين بلغوا سن السابعة قد التحقوا بالمدارس، وان 92%من طلاب الابتدائية انتقلوا إلى الدراسة في المراحل الإعدادية والثانوية، وهذه النسب تعتبر من أعلى النسب في العالم [5].
2 ـ أهمية الأسرة في المسيرة التعليمية:
إن غرس القيم والمبادئ والنظام والدين يبدأ من الأسرة، التي تساعد الفرد على تكوين شخصيته الحقيقية، ولهذا فاغلب المدارس في ماليزيا إن لم نقل جميعها خاصة في المرحلة الابتدائية تقوم بالاتصال بالأسرة عن طريق شبكة المعلومات الدولية، بحيث يتم إعلامهم عن سير دراسة أبنائهم من حيث التحصيل العلمي والسلوك والنشاطات وغيرها.
3 ـ أهمية النظام والقانون :
رغم إن ماليزيا تعتبر مجتمع اثني متعدد الأعراق، مما قد يتبادر إلى أذهاننا وجود نوع من المحاباة والتفرقة في تطبيق القانون، ولكن حقيقتاً من خلال معايشتنا لواقع المجتمع الماليزي، فإنهم يتميزون باحترامهم للنظام، خاصة في معاملاتهم اليومية مع الدوائر الحكومية والجهات الخدمية التابعة للدولة وللقطاع الخاص، حيث لمسنا هذا الاحترام عن قرب من خلال هذه المعايشة، ولقد دأبت الحكومات الماليزية تعليم الأفراد كيف يتعايشون معاً في المجتمع ويتقاسمون المسئولية في إطار من الاحترام والتعاون، وإن الأنانية والذاتية لا تخدم أي فئة وإنما قد تدمر المجتمع من الداخل، ولهذا تقوم المدارس الماليزية على جميع فئاتها بغرس الأخلاقيات الوطنية وأهمية النظام والقانون وان الاختلاف مع الأخر هو سنة الحياة وان التفرقة يجب أن تتم على أسس الكفاءة والعمل والتحصيل العلمي.
4 ـ وضع أهداف واضحة ومحددة للتعليم وتنمية الموارد البشرية :
عقب الاستقلال سنة 1957 قام تون عبدالرزاق[6] اول وزير للتعليم بتكون لجنة ضمت في عضويتها الخبراء الوطنيين والأجانب من اجل إقامة نظام للتعليم يستطيع دفع عجلة التنمية، ورغم التعدد العرقي الذي يتكون منه المجتمع الماليزي وإشكالية اللغة في التعليم بين الملاوية والصينية والهندية، إلا انه تم حسم الخلاف بان تكون اللغة الملاوية هي اللغة الرئيسية في جميع مراحل التعليم، مع حق المدارس الخاصة الصينية والهندية تدريس لغاتهم.
كانت الدفعة القوية للتعاليم قد جاءت على يد مهاتير محمد عندما تولى وزارة التعليم سنة 1974م- 1976م، حيث قام بمراجعة سياسة التعليم ووضع تقرير مفصل وكامل وشامل لمحاولة الدفع بالمسيرة التعليمية والارتقاء بالموارد البشرية، واهم الأهداف التي سعى التقرير إلى تحقيقها هي:
1 ـ تحقيق الوحدة الوطنية في مجتمع متعدد الأعراق وتأكيد الشعور بالوطنية.
2 ـ توفير المهارات التي يحتاجها سوق العمل في مجال التنمية الوطنية.
3 ـ إحداث توازن في جميع أشكال التعليم في المناطق الحضرية والريفية.
4 ـ التركيز على العلم والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة.
5 ـ كان الشعار الذي رفعته وزارة التعليم منذ سنة 1996م هو : "العمل الفاعل والسريع "(fast and effective action)، واستخدمت مدلولات مهمة ومعبرة مثل: المهمة، والهدف، والوظيفة .
6 ـ العناية بالبحوث والدراسات والمعلومات حيث تم وضع قاعدة بيانات ومعلومات بالتعاون مع جامعة هارفارد يتم من خلالها جمع المعلومات عن الجامعات والمدارس والمعاهد المهنية والتدريبية والمناهج والطلاب وتحليلها ودراستها، وذلك عبر شبكة حواسيب الكترونية تبدأ من المدارس والجامعات والمعاهد وتنتهي بالوزارة.
7 ـ إرسال البعثات الدراسية إلى اليابان ومحاولة تقليد النموذج الياباني ونموذج كوريا الجنوبية في التنمية فيما عرف بسياسة النظر شرقاً "Look East Police" حيث تم إيفاد 13000طالب للدراسة باليابان وحدها خلال سنة 1982 – 2002، عدا الذين تم إرسالهم إلى بريطانيا وأمريكا واستراليا ومصر والسعودية وغيرها، وهدفت هذه السياسة إلى تشجيع الماليزيين على الإقتداء بالنموذج الياباني عن طريق التعليم، وتقليد المواقف الايجابية مثل الالتزام بأخلاقيات العمل وتطوير المهارات وأساليب الإدارة، وكان لسياسة النظر شرقاً جانبان مهمان في التجربة الماليزية :
الأولى : الأخذ بالقيم الشرق آسيوية ممثلة في الانضباط والإخلاص في العمل وتقديسه، والعمل الجماعي بروح الفريق، وتشجيع الإنتاجية، والاعتماد على ألذات، والصبر والمثابرة،
أما الأمر الثاني : التحديث ، والتصنيع، فقامت الحكومات الماليزية المتعاقبة بحث الشركات اليابانية التي لديها فروع في ماليزيا بإرسال عامليها إلى الشركات ألام في اليابان، كما تم إنشاء العديد من الهيئات والمؤسسات المشتركة والتي منها: وكالة التعاون الدولي اليابانية ( Japan Internationl Cooperation Agency) ، وبرامج التبادل الثقافي مع المؤسسات الثقافية في اليابان، وفي مجال التعاون الاقتصادي ونقل الخبرات صنعت سنة 1983م أول سيارة ماليزية بمساعدة شركة ميتسوبيشي اليابانية، فيما عرف بشركة "بروتون ساقا"، وهى ألان من اكبر الشركات الماليزية في صناعة السيارات، تستحوذ على نسبة تفوق 65% من سوق السيارات في ماليزيا، إضافة لتصديرها إلى دول الجوار والى مصر والسعودية والأردن، وفي هذا الصدد قال مهاتير محمد قولته المشهورة :" إذا أردت الصلاة سأذهب إلى مكة ، وإذا أردت العلم سأذهب إلى اليابان"
ثالثاً : تنوع مؤسسات التعليم وتنمية الموارد البشرية
"العلم للجميع والتميز للأفضل" كان من أهم الشعارات التي ركزت عليها السياسات العامة للتعليم، وحاولت طيلة السنوات الماضية جعله موضع تنفيذ على ارض الواقع، فإضافة إلى الجامعات والمدارس الحكومية التي تقدم خدمات التعليم، انشاءت العديد من المدارس والبرامج التي تختلف في نوعية التعليم المقدم للطلاب والتي أهمها:
1 ـ الاهتمام بالتعليم ما قبل المدرسة :
اهتمت الحكومة بالتعليم فيما قبل المدرسة، الذي يشمل الأطفال بين سن الخامسة والسادسة، واعتبر قانون التعليم لسنة 1996م التعليم فيما قبل المدرسة جزءًا من النظام الاتحادي للتعليم، ويشترط أن تكون جميع مؤسسات التعليم ما قبل المدرسة مسجلة لدى وزارة التربية، ويلزم كذلك تطبيق المنهج التعليمي المقرر من الوزارة، ويتضمن ذلك المنهج خطوطًا عريضة وموجهات عامة لهذه الرياض، تتعلق بإلزامية تعليم اللغة الرسمية للبلاد وهي اللغة الملاوية إلى جانب اللغة الإنجليزية، وطرائق الإشراف التربوي، والتوجيه الاجتماعي والديني، حيث يسمح بتقديم تعليم ديني للأطفال المسلمين، وتوجد العديد من المدارس فيما قبل المدرسة تدار بواسطة الوكالات الرسمية والمنظمات الشعبية والقطاع الخاص، وأشهر الهيئات التي تقدم خدمات التعليم فيما قبل المدرسة الاتحاد الحكومي لمؤسسات ما قبل المدرسة، الذي ظل يقدم خدماته منذ العام 1960م، واتحاد دور رياض الأطفال الماليزية، الذي تنتشر خدماته في المدن والمناطق الحضرية منذ 1976م ويبلغ عدد رياض الأطفال العامة 1076، وعدد التلاميذ 27883 وعدد المعلمين 1699، وعدد الفصول 1189، أما عدد الرياض الخاصة 2161 حسب إحصاءات وزارة التعليم لسنة 2007م[7].
2ـ المدارس الذكية " Malaysia Smart School" MSC :
إضافة إلى المدارس الحكومية التي تقدم التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي، ولربط عملية التعليم بالتكنولوجيا تم إنشاء المدارس الذكية، وعددها 19 مدرسة ذكية وهي التي ترتبط بالتكنولوجيا المتطورة وتقدم للطلاب أخر ما توصل إليه العلم في مجال أنظمة التصنيع الذكية، وشبكات الاتصال، ونظم استخدام الطاقة غير الملوثة، وأنظمة النقل الذكية، حيث تعد هذه المدارس مؤسسات تعليمية متخصصة تسعى لاستيعاب التقنية الجديدة وتساعد الطلاب على اللحاق بعصر المعلومات[8] .
3 ـ المدارس الأجنبية :
ويقدر عددها 40 مدرسة من مختلف الدول منها مدارس أمريكية وبريطانية وألمانية وفرنسية ومدارس آسيوية يابانية وتايوانية واندونيسية وعربية مثل المدرسة الليبية السعودية والعراقية.
4 ـ مدارس الرؤية Malaysia Vision Schools:
تم افتتاح أول مدرسة من هذا النوع في سنة 2002م، ووصل عددها ألان إلى ثماني مدارس وهي المدارس التي تقوم على تنفيذ هدف أساسي وهو دمج الأطفال من الأعراق المختلفة من خلال المشاركة الجماعية لجميع الطلبة في نشاطات مشتركة، وهذه المدارس تقدم مناهج تعتمد على الدراسة باللغة الإنجليزية، وهي تختلف عن المدارس الحكومية الأخرى في إنها لا تدرس باللغة الماليزية وإنما يتم تدريس اللغة الملاوية كمادة من ضمن المواد، واغلب هذه المدارس تتبع القطاع الخاص مثل:International School، والتي تعتبر من انجح المدارس في ماليزيا [9].
5 ـ تقديم منح دراسة للطلاب وبرامج للتبادل الطلابي:
تقدم الحكومة الماليزية منحاً دراسية من خلال إدارة خاصة بوزارة التعليم تسمى "إدارة المنح الدراسية" حيث تقدم مجموعة من الخيارات للطلاب سواء للدارسة بالداخل أو الدراسة بالخارج، وتقوم الحكومة بدفع المصاريف الدراسية للطلبة الذين يدرسون في جامعات خاصة، على أن يتم احتساب هذه المنح كقرض بدون فائدة يتم ترجعيه بعد انخراط الطالب في سوق العمل، كذلك تقوم الوزارة ببرنامج التبادل الطلابي مع أكثر من 20 دولة، حيث تقوم هذه البرامج بدور مهم في دفع عملية الفهم المتبادل بين الطلاب بما يحقق سياسة الانفتاح على الحضارات الأخرى.
6 ـ توفير التعليم غير النظامي للشباب والكبار:
رغم عدم اهتمام وزارة التعليم بهذه النوع من التعليم، خاصة لمن هم لم يسعفهم الحظ في إتمام دراستهم، إلا أن بعض الوزارات الأخرى مثل وزارة الموارد البشرية، ووزارة الشباب والرياضة، تقدم بعض أنواع التعليم داخل مؤسسات العمل، بحيث يتم الاتفاق بين مؤسسة العمل وهذه الوزارات على تأهيل الأفراد وإعدادهم مهنياً في بعض الأنشطة المنتجة، من خلال دورات تدريبية تقدم لهم لصقلهم مهنياً واجتماعياً.
7 ـ أهمية التعليم التربوي :
اهتمت الحكومات الماليزية منذ الاستقلال بالتعليم التربوي، حيث سعت إلى محاولة نشر فكرة إن الجميع يجب أن يتعلم، محاولة الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة في هذا المجال، ولهذا تقوم وزارة التعليم بإصدار العديد من الدوريات التربوية المتخصصة منها "المجلة التربوية " والتي توزع على المدارس في جميع أنحاء ماليزيا لتثقيف المدرس، كما يتم إصدار نشرة شهرية من وزارة التعليم توزع على المدارس وتوضع في حجرة المدرسين للإطلاع عليها بالمجان تحتوي على أخبار ونشاطات وزارة التعليم والمدارس الماليزية في جميع الولايات، ويتم هذا من خلال عملية الربط الالكتروني بين جميع المدارس والوزارة، حيث يتم إلزام مدير المدرسة بإرسال التقارير الدورية اليومية إلى وزارة التعليم، وتتضمن هذه التقارير جميع الايجابيات والسلبيات والنشاطات داخل المدرسة، كما تقوم وزارة الإعلام الماليزية بتخصيص أربع ساعات لبرامج تربوية تبث من خلال التلفزيون تعدها وزارة التعليم، وتعرض أربع أيام في الأسبوع.
8 ـ إقامة معاهد لتدريب المدرسين:
نظراً لأهمية المدرس في القيام بالعملية التعليمية وتنمية الموارد البشرية، والذي تعول عليه الحكومة الماليزية في هذا المجال، للمساهمة في التنمية بشكل عام، فقد أسست منذ سنة 1997 إدارة خاصة في وزارة التعليم أطلق عليه إدارة تعليم المدرسين، أُنيط إليها تدريب المدرسين وتأهيلهم وإقامة الدورات التدريبية لهم من حين إلى أخر، واستطاعت الحكومة أن تدرب حوالي 36.590 مدرساً في الفترة من 1996-2000 [10].
9 ـ التعليم الجامعي:
يبلغ عدد الجامعات والكليات الحكومية في ماليزيا حتى نهاية 2000م 55 جامعة بين حكومية وخاصة منها 22 جامعة حكومية، و29 جامعة خاصة و4 فروع لجامعات أجنبية، و415 مؤسسة تعليم عالي خاصة تشمل الكليات والمعاهد التقنية والتكنولوجية، ولقد نجحت ماليزيا باقتدار في استقطاب الأعداد الكبيرة من الأجانب للدارسة في جامعاتها ويصل عدد الطلاب الأجانب الذين يدرسون في الجامعات الماليزية 62320 طالبا من 150 دولة من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وغيرها، وتوفر الجامعات نطاقا واسعا من البرامج في مختلف التخصصات.
رابعاً: الربط بين العلم والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة "ورؤية ماليزيا 2020"
لقد أدركت القيادات الماليزية أهمية العلم والتكنولوجيا في تحقيق أي تنمية، وكان هذا الإدراك ذو اتجاهين : الأول اقتصادي:ويتمثل في أهمية دفع عجلة الدولة نحو التصنيع، وهذا يتطلب ضرورة التعامل مع المطالب المتغيرة للصناعة، وهذا لا يتم إلا عن طريق الربط بين العلم والتكنولوجيا، والثاني جانب اجتماعي : وهو إن العلم والتكنولوجيا أداتان فعالتان لتحقيق التغير الاجتماعي، حيث يوديان إلى تغيير نمط حياة الأفراد والتجمعات سواء في الإنتاج أو في الاستهلاك.
ولقد قاد هذه الرؤية ووضع أساساتها مهاتير محمد من خلال العديد من العناصر أهمها:
1 ـ ربط العلم بالتكنولوجيا فالعلم ينصرف إلى معرفة ماذا؟ بينما التكنولوجيا تنصرف إلى معرفة كيف؟ فالعلم ينتج المعرفة، والتكنولوجيا تنتج الثروة، كما إن العلم يصبح غير ذو فائدة إذ لم يتحول إلى تكنولوجيا، وان التكنولوجيا تموت وتندثر بدون العلم.[11]
2 ـ إن العلم والتكنولوجيا يجب أن يعبران عن تأكيد السيادة الوطنية للدولة، حتى لا يمكن أن تقع ماليزيا مرة أخرى تحت الاستعمار، ولهذا نظرت إلى العولمة بمنظار الحذر بحيث يتم اختيار ما يتناسب مع تطلعات وتوجهات وقيم المجتمع الماليزي.
3 ـ التقدم التكنولوجي يجب أن يتم من خلال المشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص، فلا يمكن للدولة بمفردها القيام بعملية التنمية، ولهذا تقدم الدولة الدعم المؤسسي والمالي للقطاع الخاص لكي يعمل وفق الرؤية التي تحددها الدولة، ولا أدل على ذلك إن عدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة مثل المعاهد والكليات والجامعات والمعاهد العليا المهنية والتقنية قد بلغ 415 مؤسسة سنة 2000م.
4 ـ التكنولوجيا التي تحتاجها ماليزيا يجب أن تكون مرتبطة باحتياجات السوق، فما فائدة التكنولوجيا إذا تم الاحتفاظ بها في المعامل على حد قول مهاتير محمد، بمعنى أن يكون السوق في حاجة إلى هذه التكنولوجيا سواء كان السوق الداخلي أو السوق الخارجي.
5 ـ تعتبر سياسة البحث والتطوير هي السبيل الوحيد لتطوير التكنولوجيا، من خلال ضرورة زيادة نسبة مخصصات البحث والتطوير في الميزانية العامة للدولة، لان الاعتماد يجب أن يتم على التكنولوجيا المبتكرة وليس المنقولة كهدف طويل المدى، وتنفق ماليزيا ما يقارب7.% من الناتج المحلى الإجمالي وفقاً لتقرير التنمية البشرية 2007م، وهي تسعي إلى نسبة 1.4% في سنة 2020م .
6 ـ التركيز على قاطرات التنمية التكنولوجية، حيث يجب الاهتمام بالقطاعات التي تجر ورائها عناصر التنمية التكنولوجية الأخرى، وقد حددت هذه الرؤية إن" تكنولوجيا المعلومات، وتكنولوجيا الاتصالات" هما القطاعين الأكثر أهمية، حيث من خلالهما يمكن التحول إلى مجتمع المعرفة، ولهذا تم إنشاء وزارة مستقلة من ضمن الوزارات تسمي وزارة العلم والتكنولوجيا والابتكار منذ سنة 1973م، لتختص بالبحوث والدراسات في مجال العمل والتكنولوجيا، وهي تشرف على العديد من المؤسسات والتي أهمها شركة تنمية الوسائط المتعددة، ووكالة الفضاء القومية الماليزية، والمركز الماليزي للاستشعار عن بعد، ومركز المعلومات والتكنولوجيا، وهيئة الطاقة النووية الماليزية، والمعهد الماليزي البحوث الصناعية، والمعهد الماليزي لأنظمة الالكترونات الدقيقة.
7 ـ استجلاب التكنولوجيا اليابانية، وذلك بتقديم كافة التسهيلات للشركات اليابانية بهدف نقل التنكنولوجيا على المدى القصير، ووصل عدد الشركات اليابانية التي افتتحت لها فروعاً في سنة 1995م أكثر من 452، اتجهت اغلبها للتصدير إلى الخارج مستفيدة من رخص العمالة الماليزية، وقد بلغت صادرات هذه الشركات في سنة 1993م 46.7 مليار رنجت ماليزية ( الدولار يساوي 3.7 رنجت) .
8 ـ وخلال تولى مهاتير محمد رئاسة الوزراء تم صدور تقرير "الثقة في العقل الوطني" سنة 2002م، كخطة أساسية لاقتصاد المعرفة، وقد احتوى على 136 توصية في مجال التعليم والتنمية البشرية، تركزت اغلب التوصيات على أهمية التعليم التكنولوجي الذي يحقق احتياجات الدولة، وأهمية تدريس اللغة الإنجليزية في مؤسسات التعليم العالي.
الخُلاصة:
أن استعراض جميع الجهود التي قامت بها الحكومات الماليزية المتعاقبة في مجال العلم والتكنولوجيا وتنمية الموارد البشرية لا يتسع لها المجال في هذه الورقة، إلا أن ما يلاحظ المتتبع لهذه السياسات بصفة عامة حرص القيادات الماليزية على جميع المستويات على ضرورة الالتزام بالخطط التي وضعت من اجل تنفيذ هذه السياسات، وان هذا الالتزام لم تقم به المؤسسات التابعة للدولة فقط، وإنما كان للقطاع الخاص دور رئيسي ومحوري في هذا المجال باعتبار القطاع الخاص له القدرة على تحديد أي من التكنولوجيا القابلة للتسويق من عدمها، وبالتالي تجنيب الحكومة الدخول في مشاريع تكنولوجية لا يمكن تسويقها.
من خلال العرض السابق نستنتج إن السياسات الماليزية المختلفة استطاعت إن تحقق الكثير من الأهداف في مجال تنمية الموارد البشرية، حيث شكلت هذه التنمية جانب مهم في تفكير القيادات الماليزية، خاصة الاهتمام بالمورد البشري منذ أول رئيس وزراء لماليزيا وهو تنكو عبدالرحمن سنة 1957م – 1971م، مروراً بتن عبدالرزاق 1971م – 1976م ثم تون حسين عون 1976 – 1981م، ومهاتير محمد 1981م – 2003م ، ثم عبدالله بدوي 2003م – 2009م ، وأخير نجيب تون رزاق من ابريل 2009 وحتى ألان، واستطاعت تحقيق العديد من الأهداف فيما يخص الموارد البشرية، دون تبني النهج والقيم الغربية إلا بالقدر الذي يتوافق مع القيم الماليزية، واعتمدت على ثقافتها الخاصة و إلى طبيعة واقعها الاجتماعي، والاحتفاظ بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية، رغم الانفتاح الكبير على الخارج والاندماج في اقتصاديات العولمة.
ولهذا فإن تجربة ماليزيا مع تطوير وتنمية الموارد البشرية من خلال مكافحة الفقر والاهتمام بالتعليم ومساهمة القطاع الخاص كانت ولا زالت تجربة رائدة وحققت الكثير من النجاحات، أتمنى أن يستفاد منها لخدمة هذا الوطن ودفعاُ له قدماُ نحو الأمام.
وفي ختام هذه الورقة أود التذكير بملاحظتين مهمتين :
الأولي : نحن نعلم جميعاً إن الوعاء الزمني لنظام التعليم في ليبيا والذي بداء منذ خمسينيات القرن الماضي لم يتم تعديله أو تغييره وتطويره أو حتى مجرد التفكير في طرح بديل له حسب المعلومات المتوفرة لدى منذ إنشائه، سواء من حيث عدد أيام الدراسة خلال السنة، أو عدد الساعات التي يقضيها الطالب في المدرسة، ، وهو نفس نظام التعليم الذي تطبقه جمهورية مصر العربية، إنني أتوجه إلى القائمين بالعملية التعليمية إلى الإطلاع ودراسة الوعاء الزمن لنظام التعليم الماليزي، ونظام التعليم الكوري الجنوبي، ونظام التعليم السنغفوري.
ثانيا : قبل حضوري إلى هذا المؤتمر بعدة أيام التقيت بصديق مقيم فترة طويلة بماليزيا ومتابع جيد للسياسات العامة الماليزية، ودار حوار حول مؤتمر التخطيط الرابع، وتجاذبنا أطراف الحديث حول الورقة التي سوف أقدمها في هذا المؤتمر، فكان ما قاله لي إن ما يدور ألان في كوليس وزارة التعليم الماليزية، وأخر ما سوف تجود به العقلية الماليزية في مجال التعليم الأساسي، والذي هم بصدد دراسته وإصدار قرار بشأنه، هو إلغاء امتحانات الشهادة الإعدادية، حيث ستكون دراسة الصف التاسع كأي سنة من سنوات دراسة التعليم الأساسي، لان هذه الشهادة لم يعد لها إي اعتبار، ولا تؤهل الطالب لا أي عمل، ولا يمكنها أن تنافس شهادات التعليم التقني والمهني وشهادات تقنية المعلومات، ولا يمكن أن يستفيد منها الطالب في سوق العمل، وليس بمقدور الدولة أن تصنف حاملها على سلم الدرجات الوظيفية، لهذا فاني ادعوا القائمين على التعليم بدراسة هذه الجزئية ودراسة علمية تتوافق مع متطلبات العولمة القائم على اقتصاد المعرفة .
15 نوفمبر 2010
![]()
|
للإتصال بنا: [email protected] |
أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة
أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي
الإعلان الدستوري
سقط المكابر
رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي
للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر
بطـاقة إلى مصراتة
|
أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة" |
|
العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص ** قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة ** محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا" ( 1) (2 ) (3) |
|
رمــال متـحـركة تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي |


![]() |
| ورقة الدكتور عبد المجيد النجار |
| ورقة الدكتور محمد بشاري |

النسخة العربية النسخة الإنجليزية
من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع



خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

من إصدارات أخبار ليبيا


شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |